سياسة
الحرب لا تنتهي بمجرد تراجع وتيرة القصف. فقد تستمر استنزافًا اقتصاديًا، وقلقًا يوميًا، وحملات إعلامية ونفسية تُبقي المجتمعات معلّقة بين تهديد وضربة مرتقبة. ومن هذه الزاوية، تعيش المنطقة مواجهة مستمرة تتبدّل أدواتها وحدودها. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم يتعلق بقدرة واشنطن على توسيع الحرب، بعدما ارتدت كلفتها إلى الداخل الأميركي، وأصبحت جزءًا من حسابات الربح والخسارة في صناديق الاقتراع.
لقد أحدثت انتخابات الثالث من تشرين الثاني 2026 تحوّلًا كبيرًا، مع فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ. وأقرّ دونالد ترامب، وفق رويترز، بأن الحرب على إيران أسهمت في هزيمة الجمهوريين، مع استمراره في الدفاع عن قرار شنّها. وهنا تكمن المفارقة: الرئيس الذي يتمسك بصواب خياره العسكري يعترف، في الوقت نفسه، بأن لهذا الخيار ثمنًا سياسيًا دفعه حزبه في الانتخابات.
في تقديري، تجعل هذه النتيجة تكرار المغامرة أكثر صعوبة. فالحرب لم تعد ملفًا خارجيًا يمكن عزله عن حياة الأميركيين، وقد دخلت كلفتها إلى صلب المحاسبة السياسية. ومع ذلك، لا يصح تحويل الخسارة الانتخابية إلى استنتاج بأن الرئيس أصبح عاجزًا عن استخدام القوة. ما تبدّل هو هامش المناورة والقدرة على تبرير الكلفة، بينما يبقى قرار التصعيد ممكنًا إذا غلبت حسابات المكابرة على حسابات المصلحة.
ويجب التمييز هنا بين الأثر السياسي الفوري للانتخابات وبين انتقال السلطة داخل الكونغرس. فولاية الأعضاء المنتخبين تبدأ في الثالث من كانون الثاني 2027، وللكونغرس صلاحيات أساسية في إقرار الاعتمادات المالية، بما فيها الإنفاق الدفاعي. لذلك، قد تواجه الإدارة معارضة أشد عند طلب تمويل إضافي للحرب، لكن نتيجة الانتخابات لا تعني وقف التمويل تلقائيًا أو انتقال السيطرة البرلمانية في اليوم التالي للاقتراع.
أما نتنياهو، فلا يمكن فصل حساباته عن هذه البيئة الأميركية المتغيّرة. فأي اندفاع نحو مواجهة واسعة مع إيران يطرح مسألة حدود المساندة الأميركية، وقدرة واشنطن على تحمّل تبعاته العسكرية والاقتصادية والسياسية. وقد يرى في التصعيد وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات والهروب من أزماته، إلا أن الرغبة في خلط الأوراق لا تكفي لصناعة نتيجة مضمونة. والسؤال الذي يواجهه هو ما إذا كانت واشنطن مستعدة لدفع فاتورة جديدة دفاعًا عن خياراته.
وتبقى عبارة «الضربات المحدودة» أكثر عناصر المشهد تضليلًا إذا استُخدمت بوصفها ضمانة لاحتواء الحرب. فالطرف الذي يطلق الضربة يستطيع تحديد أهدافها الأولى، لكنه لا يملك وحده تحديد حجم الرد أو مسار الجولة التالية. وفي مواجهة تتداخل فيها القواعد العسكرية والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية، قد يبدأ التصعيد بقرار محسوب، ثم يتحول إلى سلسلة ردود يصعب وقفها. لهذا، فإن محدودية النية المعلنة لا تضمن محدودية النتائج.
من هنا تُفهم مصلحة دول الخليج في منع الانفجار. فأمن الطاقة والملاحة والاستثمار والاستقرار الداخلي يجعل اتساع الحرب خطرًا مباشرًا على مصالحها. وكلما ارتفعت احتمالات انتقال المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع، ازدادت الحاجة إلى قنوات تواصل تُبقي التفاوض ممكنًا. ويمكن قراءة هذا التقاطع في المصالح بوصفه عامل ضغط باتجاه التهدئة، من دون افتراض أن جميع دول المنطقة تتبنى موقفًا سياسيًا واحدًا.
وفي هذا السياق، تكتسب الوساطة القطرية أهمية عملية. فقد أكدت الدوحة، في اتصال مع وزير الخارجية الإيراني في الخامس من تشرين الثاني، دعم الجهود الدبلوماسية وخفض التصعيد وحرية الملاحة. ثم أوضح المكتب الإعلامي الدولي القطري، في السابع من الشهر نفسه، أن الطرفين الأميركي والإيراني يواصلان العمل للوصول إلى اتفاق، نافيًا تقارير زعمت إعلان فشل المساعي. وهذه مؤشرات على بقاء باب التسوية مفتوحًا، وليست إعلانًا بأن الاتفاق أصبح ناجزًا.
وتستطيع طهران، ضمن هذا المسار، الجمع بين الاستعداد للدفاع عن نفسها وإبقاء المقترحات السياسية متاحة. فالتفاوض من موقع التمسك بالمصالح قد يمنح واشنطن مخرجًا يخفف خسائرها، إذا اقترن بتنازلات أميركية فعلية وضمانات قابلة للتنفيذ. أما اختزال المفاوضات في بحث إيران عن التهدئة بأي ثمن، فيتجاهل أن التسوية تحتاج إلى التزامات متبادلة، وأن نجاحها يُقاس بما تحققه على الأرض، لا باللغة التي تُقدَّم بها للرأي العام.
وعلى المستوى الدولي، تندرج التقارير عن محادثات إيرانية روسية بشأن منظومة «إس-400» ضمن مساعي طهران لتعزيز قدراتها الدفاعية، لكنها لا تثبت إبرام الصفقة أو حصول التسليم. ويمكن قراءة هذه المساعي بوصفها جزءًا من تحرك أوسع لتحسين شروط المواجهة والتفاوض معًا. غير أن اختلاف مصالح القوى الدولية يفرض الحذر في تقدير حدود دعمها؛ فالعلاقات الخارجية قد تساعد على احتواء التصعيد، لكنها لا تقدم وحدها ضمانة تمنع الحرب.
أمام المنطقة، إذن، ثلاثة مسارات محتملة. الأول تصعيد محدود يُراد منه تحسين شروط التفاوض، مع خطر انزلاقه إلى ما يتجاوز أهدافه. والثاني مواجهة واسعة تتعدد جبهاتها وتتعاظم كلفتها على الجميع. والثالث تسوية تقوم على خطوات متبادلة، تسمح بخفض التصعيد ومعالجة الملفات الخلافية تدريجيًا. وأرجّح المسار الثالث لأن الكلفة السياسية للحرب أصبحت أوضح داخل الولايات المتحدة، ولأن مصالح إقليمية مؤثرة تدفع نحو احتوائها، مع بقاء احتمال التعطيل أو سوء الحساب قائمًا.
هذا الترجيح لا يقوم على الاطمئنان إلى نيات ترامب أو نتنياهو، وإنما على قراءة القيود التي تحاصر قراراتهما. فقد يلجأ الطرف المأزوم إلى التصعيد، وقد يحاول انتزاع مكسب عسكري يعوّض خسارته السياسية، لكن نجاح هذه المقامرة يحتاج إلى ظروف لا تصنعها التهديدات وحدها. وبقدر ما تتضح كلفة المواجهة، يصبح الخروج باتفاق قابل للتسويق أكثر جاذبية من الدخول في حرب يصعب تحديد نهايتها.
أما بالنسبة إلى محور المقاومة، فإن الاختبار الحقيقي يتمثل في تحويل القدرة على الصمود إلى مكاسب سياسية تحمي المجتمعات وتثبت الحقوق وتفتح طريق التعافي وإعادة الإعمار. وتعزيز موقعه في أي ترتيبات إقليمية مقبلة يرتبط بقدرته على إدارة القوة والدبلوماسية معًا، مع إدراك أن نتائج الحروب تُقاس أيضًا بما تتركه في حياة الناس ومؤسساتهم. لذلك، تبدو المرحلة المقبلة فرصة لانتزاع تسوية لا تجعل أمن المنطقة رهينة تهديد متجدد. فالزلزال الانتخابي الأميركي قد يفتح نافذة مهمة، لكن تحويلها إلى نهاية للاستنزاف يحتاج إلى تفاوض صلب وحسابات دقيقة.
الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/bada-alzilzal-alamriki-tadiq-khiyarat-alharb