منصة عربية مستقلة للتحليلات السياسية والفكرية
الوعي
سياسة

حين تعجز القوة عن صناعة السياسة: أميركا أمام مأزق «الحرب بلا سقف»

الباحث السياسي حسان عليان26 أغسطس 2026

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أزمة قابلة للقياس بعدد الضربات والصواريخ والقواعد المستهدفة. ما يجري أعمق من ذلك بكثير؛ إنه اختبار لقدرة القوة العسكرية الأميركية على إنتاج نتيجة سياسية في منطقة بدأت موازينها تتحرك خارج القواعد التي حكمتها طوال عقود.

السؤال اليوم ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضرب إيران؟

فالجواب العسكري بديهي.

السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الضربة أن تُجبر إيران على الذهاب إلى المكان الذي تريده واشنطن؟

هنا تحديدًا تبدأ المعضلة الأميركية.

مأزق القوة حين لا تتحول إلى نتيجة

استخدمت واشنطن خلال المواجهة أدوات متعددة: الضغط العسكري، العقوبات، التهديد، الحرب النفسية، محاولة العزل السياسي، رفع سقف الخطاب، والتلويح المستمر بأن القوة الأميركية قادرة على تغيير المعادلة متى قررت ذلك. لكن المشكلة أن امتلاك القدرة على الإيذاء شيء، والقدرة على تحويل هذا الإيذاء إلى استسلام سياسي شيء آخر تمامًا. وقد تمتلك دولة ما تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنها تصبح أمام مأزق استراتيجي عندما لا يستطيع هذا التفوق أن يفرض على خصمها تغيير خياراته الأساسية. وهذا، في جوهره، ما تبدو واشنطن أمامه اليوم.

فالعودة إلى الحرب الواسعة ليست قرارًا بلا ثمن، كما أن العودة إلى المفاوضات وفق شروط لا تختلف جذريًا عما كانت تطالب به طهران تعني الاعتراف بأن القوة العسكرية لم تستطع وحدها إنتاج التسوية الأميركية المطلوبة. وبين الخيارين تتحرك الإدارة الأميركية في مساحة ضيقة: كيف تحافظ على صورة القوة من دون الانزلاق إلى حرب قد تكشف حدود هذه القوة؟

إيران: من عقيدة الاحتواء إلى توسيع الردع

في المقابل، تبدو المقاربة الإيرانية مختلفة عما كانت عليه في مراحل سابقة.

طهران تحاول الانتقال من مفهوم يقوم على امتصاص الضربة ثم الرد المحسوب، إلى مفهوم أكثر اتساعًا يقوم على جعل الخصم يدرك مسبقًا أن أي تصعيد لن يبقى محصورًا بالمكان أو الزمن أو الأدوات التي يختارها بنفسه.

وهنا تكتسب التغييرات في البنية القيادية والأمنية والعسكرية الإيرانية أهميتها. فالمسألة ليست مجرد تبديل أسماء، بل محاولة لتكييف العقيدة الأمنية مع حرب متعددة المجالات: البر والبحر والجو والفضاء والمعلومات والاستخبارات والممرات البحرية.

لذلك ينبغي عدم قراءة الصراع فقط من خلال المقارنة التقليدية بين حجم الترسانة الأميركية وحجم الترسانة الإيرانية. وبالتأكيد، هناك فارق كبير في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية.

لكن الحروب السياسية الكبرى لا تُحسم دائمًا بمن يمتلك السلاح الأكبر، بل بمن يستطيع تحمّل الكلفة مدة أطول، ومن يستطيع منع خصمه من تحويل تفوقه العسكري إلى مكسب سياسي.

إنها، بهذا المعنى، حرب إرادات بقدر ما هي حرب قدرات.

المشكلة الأميركية: ماذا بعد الضربة؟

هذه هي المعضلة التي رافقت الولايات المتحدة في حروب كثيرة: ماذا يحدث في اليوم التالي؟

يمكن للطائرات أن تدمر منشأة، ويمكن للصواريخ أن تضرب قاعدة، لكن هل يؤدي ذلك إلى تغيير قرار الدولة المستهدفة؟

القوة تصبح استراتيجية فقط عندما تنتج واقعًا سياسيًا جديدًا. أما عندما تحتاج الضربة إلى ضربة أخرى، والتهديد إلى تهديد أكبر، ثم يعود الطرفان بعد ذلك إلى البحث عن مخرج تفاوضي، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل نحن أمام استراتيجية للحسم أم أمام إدارة متدرجة للعجز عن الحسم؟

من هنا يمكن فهم التصعيد الأميركي المتكرر. فقد لا يكون دائمًا مقدمة لحرب شاملة، بل محاولة لتحسين شروط التفاوض، وترميم الردع، وإثبات أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على فرض أثمان مرتفعة. ولكن الخطر أن يتحول استخدام القوة لإثبات القوة إلى دليل على محدوديتها.

العالم نفسه بدأ يتغير

ما يزيد صعوبة الموقف الأميركي أن المواجهة لا تقع في الفراغ الدولي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي.

هناك الصين، وروسيا، والهند، ومنظمة شنغهاي، وتكتلات اقتصادية وسياسية جديدة، ودول إقليمية أصبحت أكثر استعدادًا لتنويع علاقاتها بدل وضع أمنها واستراتيجيتها بالكامل تحت المظلة الأميركية.

وهذا لا يعني أن نظامًا دوليًا جديدًا قد اكتمل، ولا أن النفوذ الأميركي انتهى. فالولايات المتحدة لا تزال قوة عالمية هائلة اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا وماليًا.

لكن الفرق أن القوة الأميركية لم تعد تعمل في بيئة بلا منافسين. وهذا تحول بالغ الأهمية.

فالحديث عن تراجع الهيمنة الأميركية لا يعني اختفاء الولايات المتحدة، وإنما تراجع قدرتها على تحديد خيارات الآخرين منفردة. وكلما اتسعت مساحة الخيارات أمام الدول الإقليمية، تراجعت قدرة واشنطن على تحويل التحالف معها إلى الخيار الوحيد المتاح.

الخليج يبحث عن هامش مختلف

من هنا أيضًا يجب قراءة سلوك دول الخليج. قد تصدر بيانات إدانتها لأي استهداف لأراضيها أو انتهاك لسيادتها، وهذا أمر طبيعي ومتوقع من أي دولة، لكن المعيار الأهم ليس البيان وحده.

المعيار هو: هل قطعت هذه الدول علاقاتها مع إيران؟ هل أغلقت أبواب التواصل السياسي؟ هل أوقفت العلاقات الاقتصادية؟ وهل قررت العودة بالكامل إلى منطق المحاور المغلقة؟

حتى الآن، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فهناك دول تريد الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تصبح أراضيها ساحة مفتوحة لحرب أميركية ـ إيرانية. وهذا فارق استراتيجي.

فالمنطقة التي كانت تُقسم سابقًا بين معسكرين واضحين أصبحت أكثر براغماتية، ودولها تبحث عن أمنها عبر شبكة علاقات متعددة، لا عبر مظلة واحدة فقط.

إسرائيل ومحاولة استثمار اللحظة

أما إسرائيل، فلها حساب آخر. فكلما ارتفع مستوى الاشتباك الأميركي ـ الإيراني، ازدادت قدرتها على استثمار انشغال الأطراف الكبرى لتحقيق أهداف خاصة بها، سواء في لبنان أو في ساحات أخرى. ولكن بنيامين نتنياهو نفسه يواجه معضلة داخلية.

فالحرب بالنسبة إليه ليست مسألة أمنية فقط؛ إنها أيضًا جزء من معركة البقاء السياسي. وكلما استمرت حالة الطوارئ الإقليمية، استطاع تقديم نفسه بوصفه رجل المرحلة الأمنية الذي يصعب استبداله وسط الحرب.

ولهذا يصبح التصعيد أحيانًا جزءًا من السياسة الداخلية الإسرائيلية بقدر ما هو جزء من الاستراتيجية الإقليمية. غير أن هذا المسار يحمل تناقضه معه: فرفع سقف الحرب باستمرار قد يمنح الحكومة الإسرائيلية فرصة سياسية مؤقتة، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه ساحات يصعب التحكم بنتائجها.

لبنان ليس ملفًا منفصلًا

وهنا نصل إلى لبنان. فالخطأ الأكبر هو التعامل مع ما يحدث في الجنوب باعتباره ملفًا لبنانيًا منفصلًا عما يجري في المنطقة. فإسرائيل تحاول استثمار كل لحظة إقليمية لتحسين موقعها، وفرض وقائع جديدة، والضغط على لبنان والمقاومة، وخصوصًا في الملفات المرتبطة بالسلاح والحدود وترتيبات الأمن في الجنوب.

لكن في المقابل، فإن أي تسوية إقليمية واسعة لن تستطيع تجاهل لبنان إذا بقيت أسباب المواجهة قائمة: الاحتلال، الاعتداءات، السيادة المنقوصة، والتهديد الإسرائيلي المستمر. وهنا تظهر مشكلة السياسة اللبنانية الرسمية. فلبنان يحتاج اليوم إلى سياسة خارجية شديدة الدقة، لا إلى خيارات تجعله طرفًا في محاور متصارعة دون حساب للتحولات الجارية.

والعلاقات مع الخليج ضرورية، والعلاقة مع الدول العربية ضرورية، والانفتاح الاقتصادي ضرورة وجودية للبنان، لكن ذلك كله يجب أن يتحرك تحت عنوان المصلحة اللبنانية، لا أن يتحول البلد إلى ساحة لتنفيذ استراتيجية دولة أخرى. وفي مرحلة يعاد فيها تشكيل التحالفات في شرق المتوسط والخليج وغرب آسيا، يصبح الخطأ في التموضع أكثر كلفة من أي وقت مضى.

هرمز وباب المندب: الجغرافيا تدخل الحرب

هناك عنصر آخر لا يجوز إغفاله: الجغرافيا. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، وباب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة. هذه الممرات جزء من الاقتصاد العالمي، وأي مواجهة واسعة تجعل الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد وأسعار التأمين والنقل البحري عناصر مباشرة في حسابات الحرب.

وهنا تختلف إيران واليمن عن خصوم يمكن عزلهم جغرافيًا بسهولة. فالقدرة على التأثير في الممرات البحرية تعني أن الحرب، إذا اتسعت، لن تبقى حربًا بين دولتين، بل ستتحول كلفتها إلى الاقتصاد الدولي. وهذا بحد ذاته عنصر ردع.

المعركة الحقيقية: أي شرق أوسط سيولد؟

لهذا كله، لا أعتقد أن ما نشهده هو مجرد جولة جديدة من الحرب الأميركية ـ الإيرانية، ولا مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل، ولا حتى صراع منفصل حول لبنان واليمن. نحن أمام صراع على هوية النظام الإقليمي المقبل.

هناك مشروع يريد شرق أوسط تُحدد فيه إسرائيل، مدعومة بالقوة الأميركية، قواعد الأمن وحدود القوة المسموح بها للدول والقوى الأخرى. وفي المقابل، هناك مشروع مقاوم يريد منع إسرائيل من التحول إلى القوة المهيمنة على الإقليم، وفرض معادلة تقوم على الردع المتبادل ورفض احتكار القوة.

وبين المشروعين تقف دول كثيرة لا تريد الانضمام الكامل إلى أي منهما، وإنما تبحث عن موقع يحفظ مصالحها وسيادتها. وهذه ربما أهم سمات المرحلة الجديدة.

من ينتصر؟

ليس المنتصر بالضرورة من يطلق الصاروخ الأخير. المنتصر استراتيجيًا هو من يستطيع في نهاية الحرب أن يجعل النظام الذي يليها أقرب إلى رؤيته من رؤية خصمه.

فإذا خرجت الولايات المتحدة من المواجهة وهي مضطرة إلى الاعتراف بإيران قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، فإن شيئًا جوهريًا يكون قد تغير.

وإذا خرجت إيران من الحرب عاجزة عن حماية نفوذها وردع خصومها، تكون واشنطن وتل أبيب قد حققتا هدفًا استراتيجيًا حتى لو بقي النظام الإيراني قائمًا.

ولهذا فإن عدّ الصواريخ والطائرات والخسائر، على أهميته، لا يكفي لفهم النتيجة.

السؤال الذي ينبغي طرحه بعد كل جولة هو: من أصبح أكثر قدرة على فرض شروط اليوم التالي؟

وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية. فالمواجهة لم تعد حول الحدود فقط، ولا حول منشأة نووية أو قاعدة عسكرية أو عقوبات اقتصادية. إنها مواجهة على القواعد التي ستحكم غرب آسيا لعقود مقبلة.

والولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، تواجه حقيقة بدأت تتضح أكثر فأكثر: القوة تستطيع أن تدمر، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تحكم ما يولد بعد الدمار.

أما إيران ومحور المقاومة، فالتحدي أمامهما لا يقتصر على الصمود أو القدرة على الرد، بل في تحويل هذا الصمود إلى معادلة سياسية وإقليمية قابلة للاستمرار. وبين القدرة الأميركية على الضرب، والقدرة الإيرانية على منع الضربة من التحول إلى نتيجة سياسية، تدور المعركة الأهم.

إنها ليست فقط معركة مَن يملك القوة الأكبر، بل مَن يملك الإرادة الأطول، ومَن يستطيع أن يفرض تعريفه للنصر عندما يصمت السلاح.

مقالات ذات صلة