سياسة

في ذكرى تغييب الإمام المغيب السيد موسى الصدر، لا تكفي استعادة صورته ولا تكرار السؤال عن مصيره. ثمة سؤال سياسي أكثر إلحاحاً يفرضه لبنان اليوم: لو عاد الامام موسى الصدر، وسمع كل هذا الجدل حول سلاح المقاومة، فكيف كان سيقرأ المسألة؟
لا نستطيع أن ننسب إليه موقفاً من أحداث لم يعشها، لكننا لا نحتاج إلى التخمين لمعرفة موقفه من أصل القضية. فقد ترك الإمام المغيب في خطاباته وممارسته السياسية إجابات واضحة عن إسرائيل، وعن الجنوب، وعن حق الناس في الدفاع عن أرضهم، وعن العلاقة بين عجز الدولة وولادة المقاومة.
الامام موسى الصدر لم يبدأ من سؤال: من يحمل السلاح؟ بل بدأ من سؤال أسبق وأعمق: من يحمي الأرض؟ وهنا يكمن الفارق بين نقاش قانوني مجرّد حول السلاح، ونقاش سياسي حول السيادة.
السلاح في فكر الصدر: شرعية الدفاع
لم يكن السلاح عند الإمام موسى الصدر مشروع سلطة، ولا امتيازاً حزبياً، ولا وسيلة لتحصيل موقع في النظام السياسي. كانت شرعيته مستمدة من وظيفة محددة: الدفاع عن الأرض في مواجهة إسرائيل.
ولهذا كان واضحاً بصورة لا تحتمل التأويل. ففي عام 1975 كان يقول إن اقتناء السلاح في حالات الدفاع «مشروع، بل واجب»، ويربط ذلك مباشرة بغياب الحماية الرسمية عن الجنوب.
وحين تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية، لم ينتظر الإمام أن تتغير موازين القوى الدولية، ولم يراهن على ضمانات الخارج، بل دعا إلى تأسيس مقاومة لبنانية. وكان منطقه أن الدفاع عن الوطن ليس مسؤولية السلطة وحدها؛ فإذا عجزت السلطة، لا يسقط عن الشعب حق الدفاع عن أرضه. من هنا وُلدت أفواج المقاومة اللبنانية – «أمل».
وهذه الحقيقة التاريخية مهمة جداً في النقاش اللبناني المعاصر: الإمام موسى الصدر، رجل الدولة والمؤسسات والوحدة الوطنية، هو نفسه الذي أسس مقاومة مسلحة ضد إسرائيل. لم يجد تناقضاً بين الأمرين. لأن الدولة والمقاومة عنده كانتا تلتقيان عند غاية واحدة: حماية الوطن.
شرعية المقاومة تبدأ من وجود العدوان
ثمة مناقشة تجري اليوم وكأن السلاح ظهر في لبنان بلا سبب، وكأن المقاومة فكرة عقائدية وُلدت أولاً ثم راحت تبحث عن عدو يبرر وجودها. التاريخ يقول العكس. كان العدوان أولاً. وكان انكشاف الجنوب أولاً. وكان عجز الدولة أولاً. ثم جاءت المقاومة. ولهذا فإن مناقشة شرعية السلاح بمعزل عن السبب الذي أنشأ الحاجة إليه تقلب العلاقة بين السبب والنتيجة.
لقد رأى الإمام المغيب منذ السبعينيات أن الجنوب لا يستطيع انتظار اكتمال قدرة الدولة بينما إسرائيل تعتدي عليه. وفي خطاباته دعا الناس إلى التدرب وحمل السلاح، وكان يقول بوضوح إن عجز السلطة عن الدفاع لا يعني أن يبقى الناس بلا دفاع. وهذه الفكرة تتجاوز زمن الإمام إلى مبدأ سياسي عام: عندما تعجز الدولة عن منع العدوان، لا يسقط حق المجتمع في مقاومة الاحتلال والاعتداء. ومن هنا تأتي شرعية المقاومة: ليست شرعية منافسة للدولة، وإنما شرعية تنشأ في المساحة التي يعجز فيها النظام الرسمي عن حماية السيادة.
إسرائيل في فكر الصدر: ليست جاراً مختلفاً معه
ولفهم موقف الإمام المغيب من السلاح، يجب أولاً فهم موقفه من إسرائيل. لم يكن ينظر إليها بوصفها دولة طبيعية توجد بينها وبين لبنان مشكلة حدودية قابلة للحل ببعض الترتيبات الأمنية. كان توصيفه أكثر جذرية: «إسرائيل شر مطلق». لم تكن العبارة شعاراً انفعالياً، بل خلاصة رؤيته لطبيعة المشروع الإسرائيلي وخطره على لبنان وفلسطين والمنطقة.
ولهذا وصل موقفه إلى حد تحريم التعامل معها والاستعانة بها، معتبراً ذلك مساساً بالوطن وكرامته، ومحذراً من أن الاختراق الإسرائيلي قد يبدأ بخدمة أو مساعدة أو حماية قبل أن يتحول إلى نفوذ وسيطرة. ومن هنا يصبح الفصل بين الامام موسى الصدر والمقاومة أمراً مستحيلاً. فالعداء لإسرائيل لم يكن تفصيلاً في مشروعه. بل كان أحد أعمدته.
المقاومة عند الصدر مشروع لبناني
والأكثر أهمية أن الإمام لم يكن يريد مقاومة غريبة عن المجتمع اللبناني. كان يريد مقاومة لبنانية. حين أعلن ولادة أفواج المقاومة اللبنانية عام 1975، كان يريد نقل الجنوبي من موقع الإنسان الذي ينتظر من يدافع عنه إلى موقع الإنسان الذي يشارك في الدفاع عن أرضه.
لقد أراد أن يقول لأهل الجنوب: أنتم لستم سكان منطقة حدودية تنتظرون الشفقة. بل أنتم حراس حدود الوطن. ومن هنا جاءت دعوته إلى التدريب والتسلح والاستعداد. بل إن الأرشيف الصدري يوثق أن عبارته الشهيرة «السلاح زينة الرجال» كانت مرتبطة بالدفاع عن الجنوب والوطن، لا بالصراعات الداخلية. والفارق جوهري. فالسلاح هنا ليس عنواناً للفوضى، بل أداة للدفاع. والمقاومة ليست بديلاً عن الوطن، بل إحدى وسائل منع العدو من انتهاكه.
السيادة ليست قراراً بنزع السلاح
وهنا نصل إلى جوهر النقاش الحالي. السيادة لا تتحقق بمجرد اتخاذ قرار بأن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة. هذه نتيجة السيادة الكاملة، وليست بالضرورة نقطة بدايتها. فالسيادة تعني أولاً أن تستطيع الدولة حماية أرضها وشعبها وحدودها. وأن تمنع العدو من احتلال الأرض. وأن تمنعه من فرض شروطه بالقوة. وأن تجعل قرار الحرب والاعتداء على لبنان مكلفاً.
أما أن يُطلب من لبنان أن يتخلى عن عناصر القوة التي يمتلكها بينما يبقى التفوق العسكري الإسرائيلي قائماً، فهذا لا يعالج مشكلة السيادة، بل قد يغير ميزان القوة لمصلحة الطرف الذي يهددها.
الامام موسى الصدر فهم هذه المعادلة منذ وقت مبكر. وكان يطالب بالدولة والجيش والمؤسسات، لكنه عندما وجد الجنوب مكشوفاً لم يقل لأهله: انتظروا حتى تصبح الدولة قوية. بل قال لهم: دافعوا عن أرضكم. لذلك فإن التناقض الحقيقي ليس بين الدولة والمقاومة. التناقض الحقيقي هو بين السيادة والاحتلال، وبين القدرة على حماية الوطن والعجز عن حمايته.
إلى مَن سيطلب تسليم السلاح؟
لهذا يصبح عنوان المقال سؤالاً يحمل جوابه في تاريخ الإمام نفسه. لو عاد الامام موسى الصدر اليوم، فلن يستطيع أحد أن يقنعه بمناقشة سلاح المقاومة وكأن إسرائيل غير موجودة. سيجد أمامه المعادلة التي عرفها منذ نصف قرن تقريباً: عدو يمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، وجنوباً يدفع ثمن موقعه الجغرافي، ودولة تريد حماية سيادتها لكنها لا تمتلك وحدها ميزان القوة الذي يردع إسرائيل. فكيف يمكن، وفق هذا المنطق، أن تكون الأولوية إزالة عنصر القوة اللبناني قبل إزالة التهديد الإسرائيلي؟
السؤال ليس دفاعاً عن السلاح بوصفه قيمة قائمة بذاتها. بل إنه دفاع عن سبب وجوده. فإذا كان الاحتلال والعدوان والتهديد هي الأسباب التي صنعت المقاومة، فإن الطريق الطبيعي لمعالجة مسألة السلاح يبدأ بإزالة هذه الأسباب، لا بإزالة النتيجة وترك السبب قائماً.
خاتمة: لم يتغير العدو
بعد قرابة نصف قرن على تغييب الإمام، تبدلت أسماء كثيرة في لبنان والمنطقة، وتغيرت الحكومات والتحالفات وموازين القوى. ولكن سؤال الجنوب بقي. وسؤال إسرائيل بقي. وسؤال القوة بقي. ولهذا فإن استحضار الامام موسى الصدر اليوم يجب ألا يكون انتقائياً. ولا يمكن استحضار رجل الدولة فيه ونسيان مؤسس المقاومة. ولا الحديث عن السيادة في فكره وحذف البندقية التي أرادها لحماية هذه السيادة.
لقد أراد الإمام دولة قوية، نعم. ولكنه لم يقل يوماً إن الطريق إلى الدولة القوية يمر عبر جعل لبنان ضعيفاً أمام عدوه. بل فعل العكس. أسس مقاومة، ودعا الناس إلى التدريب، وربط الدفاع عن الجنوب بالدفاع عن الوطن، ورأى في مواجهة إسرائيل واجباً وطنياً، لأن الدولة التي كان يحلم بها لم تكن دولة تحتكر الضعف، بل دولة تحتكر القوة عندما تصبح قادرة على حماية أرضها وشعبها.
لذلك، في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، ربما يكون السؤال الأكثر وفاءً لفكره ليس: متى تسلّم المقاومة سلاحها؟ بل: ما الذي تغيّر في إسرائيل حتى يصبح السلاح الذي دعا موسى الصدر اللبنانيين إلى حمله دفاعاً عن أرضهم بلا سبب؟
فإذا كان العدو ما زال عدواً، والخطر ما زال قائماً، والجنوب ما زال يحتاج إلى من يحميه، فإن شرعية المقاومة لا تُقرأ من مكان وجود البندقية فقط... بل من الجهة التي تتجه إليها. والامام موسى الصدر حدد تلك الجهة منذ البداية: إسرائيل.
الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/law-aad-al-sayyed-mousa-al-sadr