سياسة

ترامب لم يسقط وحده: مَن هم الخاسرون الأكبر في انتخابات التجديد النصفي؟

د. أكرم شمص6 نوفمبر 2026

لم تكن ليلة الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 ليلة سقوط دونالد ترامب وحده. حين بدأت النتائج تتوالى على الشاشات، كان الديمقراطيون ينتزعون مجلسَي الكونغرس معاً، النواب والشيوخ، في موجة زرقاء لم يتوقّعها كثيرون بهذا الحجم. لكنّ الرئيس لم يكن يقف وحيداً على منصّة الخاسرين؛ فخلفه طابور طويل ممّن راهنوا عليه وموّلوا مشروعه وتحالفوا معه. فلنقرأ القائمة كما ظهرت على الشاشة، من الأعلى إلى الأسفل.

أولاً: إيلون ماسك… الخاسر الأغلى ثمناً

في المرتبة الأولى يقف إيلون ماسك، أكبر مموّل في هذه الدورة الانتخابية بلا منازع. فبحسب تقديرات صحيفة «نيويورك تايمز»، ضخّ الرجل نحو 474 مليون دولار لدعم الجمهوريين، ذهب منها ما بين 168 و224 مليوناً، وفق اختلاف التقديرات، إلى ولاية تكساس وحدها، ومعظمها لدعم المرشّح الجمهوري لمجلس الشيوخ كين باكستون.

لماذا تكساس تحديداً؟ لأنها الولاية التي نقل إليها ماسك مقرّات «تسلا» و«سبيس إكس»، بل نقل إليها إقامته الشخصية. هناك وجد في الحكم الجمهوري المديد بيئةً مفصّلة على مقاسه: تسهيلات، وأراضٍ، ومياه، وتشريعات صديقة لإمبراطوريته الصناعية.

لكنّ الرهان انقلب عليه. فقد جعل المرشّح الديمقراطي جيمس تالاريكو، النائب في برلمان الولاية والمدرّس السابق، من ماسك نفسه عنوانَ حملته، واتّهمه علناً بمحاولة شراء «سيناتور خاص به»، ورفع في وجهه شعاراً بسيطاً وحاسماً: «تكساس ليست للبيع». وجاءت النتيجة مدوّية: فاز تالاريكو بنحو 55% مقابل 43% لباكستون، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بمقعد تكساس في مجلس الشيوخ منذ عام 1988. وفي الليلة نفسها أطاحت الديمقراطية جينا هينوخوسا بالحاكم غريغ أبوت، وهي التي طرحت وقف إنشاء مراكز بيانات جديدة إلى حين وضع ضمانات أشدّ.

وخسارة ماسك لا تقف عند المال المهدور. ففي اليوم التالي للانتخابات خسرت ثروته نحو 34.5 مليار دولار مع تراجع أسهم «تسلا» و«سبيس إكس». والأخطر أنّ كونغرساً ديمقراطياً يعني جلسات استماع وتحقيقات محتملة: في إدارته لما سُمّي «وزارة الكفاءة الحكومية»، وفي العقود الحكومية التي تُبقي كثيراً من شركاته على قيد الحياة، وجاءته بفعل قربه من ترامب وحاشيته. وكان تعليقه الأول على النتائج تغريدة ساخرة عن أنّ «مراكز البيانات في الفضاء» باتت تبدو أكثر جاذبية؛ وهي سخرية تخفي اعترافاً بأنّ الأرض الأميركية لم تعد مرحّبة بمشروعه.

ثانياً: شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

لم يصوّت الأميركيون لنوّاب وشيوخ فحسب، بل صوّتوا أيضاً في استفتاءات محلية على إنشاء مراكز البيانات العملاقة التي تغذّي صناعة الذكاء الاصطناعي في مناطقهم. وكانت النتيجة أشبه بالاستفتاء الشعبي على هذه الصناعة: من أصل أكثر من أربعين استفتاءً محلياً طُرحت في الثالث من تشرين الثاني، صوّت الناخبون في 38 منها على الأقل لصالح فرض قيود على المشاريع الجديدة أو تجميدها أو حظرها، بعدما كانت الاستفتاءات الستة التي سبقت يوم الانتخاب قد سارت جميعها في الاتجاه نفسه.

هذا عكس ما أراده ترامب تماماً، إذ وقف بكل ثقله إلى جانب هذه الشركات واعتبر رفض مراكز البيانات وصفةً للتخلّف والفقر. لكنّ الناخب الأميركي رأى المسألة من زاوية أخرى: فواتير كهرباء ترتفع، ومياه تُستنزف، وضجيج وتلوّث في الأحياء السكنية. وبحسب استطلاع لشبكة NBC عند الخروج من مراكز الاقتراع، قال 56% من الناخبين إنّ الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات كانا عاملاً حاسماً أو رئيسياً في تصويتهم. وفي أوهايو، خاض الديمقراطي شيرود براون حملته على أساس أنّ خصمه الجمهوري جون هاستد هو «وجه مراكز البيانات» في الولاية، ففاز بفارق خمس نقاط.

ثالثاً: اللوبي الإسرائيلي… ونتنياهو يخسر مرتين في أسبوع

بنيامين نتنياهو خسر مرّتين في أسبوع واحد. ففي انتخابات الكنيست التي جرت في 27 تشرين الأول، تراجع معسكره إلى 53 مقعداً بعدما كانت أحزاب ائتلافه تملك 68 مقعداً في الكنيست المنتهية ولايته، فعجز عن تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة. ثم جاءت الانتخابات الأميركية لتُضعف حليفه في البيت الأبيض، الذي كان يؤمّن له غطاءً مفتوحاً لمشاريعه في المنطقة، وفي مقدّمها الحرب على إيران. فمع كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، لن يبقى هذا الغطاء مفتوحاً بلا حساب.

أما اللوبي الإسرائيلي داخل أميركا، فكانت ليلته قاتمة. فقد أنفقت لجنة «أيباك» وذراعها الانتخابية «مشروع الديمقراطية المتحدة» واللجان المتحالفة معها نحو 84 مليون دولار في هذه الانتخابات، ذهب منها أكثر من 55 مليوناً، أي قرابة الثلثين، إلى معارك خسرها المرشّحون الذين دعمتهم. وأبرز هذه الخسائر كانت في ميشيغن، حيث صُرف نحو 32 مليون دولار لإسقاط عبد السيد، فإذا به يفوز بمقعد مجلس الشيوخ، ليصبح مرشّحاً لأن يكون أول مسلم في تاريخ المجلس. وبعد النتائج لاذت «أيباك» بصمت لافت على منصّاتها، فيما ذهب نائب الرئيس جي دي فانس نفسه إلى تحميل الحرب على إيران والعلاقة مع إسرائيل جزءاً من مسؤولية هزيمة الجمهوريين.

وللإنصاف، تقول «أيباك» إنّ الغالبية الساحقة من المرشّحين الذين دعمتهم فازوا، لكنّ معظم هؤلاء نوّاب حاليون كانوا سيفوزون في كل الأحوال؛ أما المعارك الكبرى التي وضعت فيها ثقلها المالي، فخسرت معظمها.

رابعاً: الحزب الجمهوري وتكتيكات التحريض

لم يخسر الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونغرس فحسب، بل خسر أيضاً التكتيكات التي ساعدت ترامب على الفوز عام 2024: التحريض ضد المسلمين والمهاجرين والعابرين جنسياً وغيرهم من الفئات المهمّشة، وتحويل كل معركة انتخابية إلى حرب ثقافية.

والمثال الأفظع جاء من أوهايو. فقد بثّت حملة المرشّح الجمهوري لمنصب الحاكم فيفيك راماسوامي إعلاناً تظهر فيه والدة منافسته الديمقراطية آمي أكتون، المنقطعة عنها منذ عقود، وهي تصف ابنتها بالكاذبة، في سياق رواية أكتون عن طفولتها؛ علماً أنّ وثائق المحكمة تُظهر أنّ زوج أمّها اتُّهم باغتصابها وهي طفلة، وأنّ الأم فرّت معه قبل محاكمته. وأعلنت الحملة نيّتها إنفاق أربعة ملايين دولار على بثّ الإعلان. فجاء الارتداد سريعاً: موجة استنكار من الحزبين معاً، وانهيار في أرقام راماسوامي في الاستطلاعات. لقد كانت دعاية ارتدّت على صاحبها.

خامساً: دونالد ترامب… الاستفتاء الذي سقط فيه

في النهاية، يبقى ترامب هو الخاسر الأكبر. فهو الذي حوّل هذه الانتخابات بنفسه إلى استفتاء على حكمه، حين دأب على مطالبة أنصاره بأن يتصرّفوا «كأنّ اسمه على ورقة الاقتراع». وجال على الولايات خلال الأسابيع الأخيرة ليدعم مرشّحيه ويفرضهم، من كين باكستون في تكساس إلى فيفيك راماسوامي في أوهايو.

وقد سمع الأميركيون كلمته فعلاً، وحاسبوه على أساسها: حاسبوه على وعوده بتحسين الوضع الاقتصادي، وعلى شعار «أميركا أولاً» الذي وُعدوا معه بتجنّب أي حرب جديدة، قبل أن يجدوا أنفسهم في حرب مع إيران انطلقت في 28 شباط/فبراير ورفعت كلفة المعيشة عليهم. سنتان من الولاية الثانية كانتا كافيتين ليعود الناخبون ويمنحوا الديمقراطيين فرصة جديدة، هرباً من اقتصاد متعثّر، وحرب كلّفتهم الكثير، ومليارديرات ينهشون حقوقهم.

خلاصة

ما جرى في الثالث من تشرين الثاني لم يكن هزيمة رجل، بل هزيمة تحالف كامل: تحالف المال والتكنولوجيا واللوبي والتحريض، الذي التفّ حول ترامب وراهن على أنّ المال قادر على شراء الأصوات، وأنّ الخوف قادر على حجب الأسئلة الحقيقية. لكنّ الناخب الأميركي، حين وُضع أمام فاتورة الكهرباء وسعر الوقود وكلفة الحرب، اختار أن يحاسب. والدرس الأبعد يتجاوز واشنطن: فالهيمنة التي تبدو مطلقة في لحظة ما، تبقى معلّقة على قدرة الناس على قول «لا».

مصادر للمراجعة: Boston Globe؛ Time؛ CBS News؛ NBC News؛ Forbes؛ 404 Media؛ Ballotpedia؛ Responsible Statecraft؛ Middle East Eye؛ The Times of Israel (عبر IANS)؛ NPR؛ Ohio Capital Journal.

الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/trump-lam-yasqut-wahdah-alkhasiroun-alakbar-2026