سياسة

زلزال الانتخابات الأميركية: بداية المراجعة وحدود التحوّل

حسان عليان6 نوفمبر 2026

حملت انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 هزّة سياسية تجاوزت الحسابات التقليدية للربح والخسارة. فبحسب النتائج التي نقلتها رويترز وأسوشيتد برس، انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، وحققوا اختراقات في معاقل جمهورية. ويمكن قراءة هذا التحول بوصفه اعتراضًا واسعًا على طريقة إدارة الولايات المتحدة، وعلى الكلفة التي رتّبتها سياسات دونالد ترامب في الداخل والخارج.

لقد اصطدم شعار «أميركا أولًا» بامتحان الحياة اليومية. فالناخب الذي وُعد بالازدهار وجد نفسه أمام ضغوط الأسعار والرسوم الجمركية وتداعيات الحرب على إيران. وأظهرت استطلاعات الناخبين أن تكاليف المعيشة كانت من أبرز دوافع التصويت. هنا تتضح الصلة بين السياسة الخارجية والاستقرار الداخلي: عندما تصل كلفة الحرب إلى الوقود والسلع وموازنة الأسرة، يصبح صندوق الاقتراع وسيلة لمحاسبة أصحاب القرار، وتتراجع قدرة الخطاب التعبوي على حجب النتائج الملموسة.

وامتدت كلفة هذا النهج إلى علاقات واشنطن بحلفائها. فقد وثّقت تقارير رويترز اتساع الشكوك الأوروبية والآسيوية والخليجية في موثوقية الالتزامات الأميركية، بفعل التهديدات التجارية والتقلب في المواقف وإدارة الحرب. وفي ظل المنافسة مع الصين واستمرار أعباء الحرب الأوكرانية، تكتسب الثقة بالحليف قيمة استراتيجية مضاعفة. ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: كيف تحافظ أميركا على نفوذها إذا أصبح شركاؤها مضطرين باستمرار إلى التحوّط من قراراتها؟

في المنطقة، تفتح هذه الأزمة مساحة أوسع لترتيبات أمنية تصوغها دولها انطلاقًا من مصالحها المباشرة. وقد أعلنت طهران استمرار الحوار مع السعودية، وتحدثت عن مشاورات مع السعودية وتركيا وباكستان بشأن ترتيبات إقليمية جديدة. ويمكن لمصر ودول الخليج الأخرى أن تؤدي أدوارًا مهمة في هذا المسار. غير أن نجاحه يتطلب معالجة مخاوف متبادلة وضمان أمن الدول والملاحة؛ فالحوار يصبح مؤثرًا عندما يتحول إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تتجاوز الرسائل السياسية والضرورات المؤقتة.

ويكتسب صمود إيران واستمرار حضورها في التفاوض دلالة خاصة ضمن هذه القراءة. فبقاء طهران طرفًا لا يمكن تجاوز مطالبه يضع حدودًا لفكرة إخضاع المنطقة بالقوة وحدها. لكن تحويل هذا الصمود إلى مكاسب مستدامة يحتاج إلى دبلوماسية وتسويات ومصالح مشتركة. ومن هنا يمكن فهم الاتجاه نحو تعدد مراكز التأثير: إيران قوة إقليمية مؤثرة، فيما تشارك الصين وروسيا وقوى أخرى في إعادة توزيع النفوذ. أما النظام المتعدد الأقطاب فيتبلور عبر تراكم هذه التحولات، ولا تحسمه نتيجة انتخابية واحدة.

داخل الولايات المتحدة، ستواجه الإدارة توازنًا مؤسسيًا أكثر تعقيدًا. تستطيع الأغلبية الديمقراطية توسيع التحقيقات والرقابة، وممارسة الضغط عبر التشريع والتمويل والتعيينات. ومع ذلك، يحتفظ ترامب بحق النقض وصلاحيات تنفيذية واسعة، ما يجعل التفاوض والتعطيل والتصادم احتمالات متزامنة. لذلك فإن الحديث عن «أميركا جديدة» ينبغي أن يعني بدء صراع على اتجاه السياسات، مع بقاء نتائج هذا الصراع مفتوحة، بدل افتراض أن الانتخابات أنجزت المراجعة المطلوبة سلفًا.

وتفرض الأوضاع المالية بدورها حدودًا على الاندفاع الخارجي. فقد توقّع مكتب الموازنة في الكونغرس، في تقريره الصادر في شباط/فبراير 2026، بلوغ الدين الفدرالي الذي يحمله الجمهور 101% من الناتج المحلي خلال السنة المالية. هذه الضغوط تعزز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتمنح شعار الاهتمام بالداخل مضمونًا يتصل بالمعيشة والخدمات والاستقرار الاقتصادي. وسيُختبر الديمقراطيون بقدرتهم على تقديم حلول، بعدما منحهم الاعتراض على ترامب فرصة سياسية واسعة.

أما العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، فقد تدخل مرحلة تتزايد فيها المطالبة بالمحاسبة والضوابط. فقد أظهر استطلاع لمركز بيو نُشر في تموز/يوليو 2026 أن 62% من الأميركيين ينظرون سلبًا إلى حكومة تل أبيب. يتيح هذا التحول مساحة أكبر لمناقشة الدعم وشروطه وكلفته، لكنه لا يضمن تغييرًا فوريًا في التحالف القائم. ويتوقف الأثر العملي على تحويل الاعتراض الشعبي إلى مواقف تشريعية وقرارات تنفيذية، وعلى قدرة الأصوات الجديدة داخل الحياة السياسية الأميركية على التأثير.

وتضيف المشاركة المتنامية للمسلمين وسائر المكونات الأميركية بُعدًا آخر إلى المشهد؛ فقد رصد مركز بيو اتساع حضور المسلمين في المؤسسات المنتخبة خلال العقود الأخيرة. وتكمن القيمة السياسية لهذا التنوع في إمكان توسيع النقاش حول المواطنة والعدالة والحروب، مع بقاء المعيار الحاسم هو البرامج والتصويت والممارسة، لا الهوية الدينية أو الثقافية وحدها.

تفتح هذه الانتخابات بابًا لمراجعة العلاقة بين القوة والمسؤولية في السياسة الأميركية. ومن مصلحة شعوب المنطقة أن تستثمر هذا التحول بتعزيز استقلال قرارها وبناء تفاهماتها وحماية حقوقها، وأن تربط تضحياتها بمشروع سياسي يوقف العدوان ويؤسس للاستقرار. فالمستقبل المختلف الذي تلوح إمكاناته يحتاج إلى عمل متواصل: داخل أميركا لتقييد سياسات الحرب، وفي المنطقة لتحويل الصمود إلى أمن وسيادة وتنمية.

الوعي — https://alwaei-website-production.up.railway.app/article/zelzal-al-entikhabat-al-amrikiya-2026